النويري
284
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأما إن تجرّدت الدعوى من أسباب القوّة والضعف ، فلم يقترن بها ما يقوّيها ولا ما يضعفها ، فنظر والى المظالم في ذلك أن يراعى أحوال المتنازعين في غلبة الظن . ولا يخلو حالهما فيه من ثلاثة أحوال . أحدها : أن تكون غلبته في جنبة المدّعى . والثاني : أن تكون في جنبة المدّعى عليه . والثالث : أن يعتدلا فيه . فإن كانت غلبة الظن في جنبة المدّعى وكانت الرّيبة متوجّهة إلى المدّعى عليه ، فقد تكون من ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون المدّعى مع خلوّه من حجّة مضعوف اليد مستلان الجانب والمدّعى عليه ذا بأس وقدرة . فإذا ادّعى عليه غصب ملك أو ضيعة ، غلب في الظنّ أنّ مثله مع لينه واستضعافه لا يتجوّز في دعواه على من كان ذا بأس وسطوة . والثاني : أن يكون ممن اشتهر بالصدق والأمانة والمدّعى عليه ممن اشتهر بالكذب والخيانة ، فيغلب [ في الظن [ 1 ] ] صدق المدّعى في دعواه . والثالث : أن تتساوى أحوالهما ، غير أنه عرف للمدّعى يد متقدّمة وليس يعرف لدخول يد المدّعى عليه سبب ، فالذي يقتضيه نظر المظالم في هذه الأحوال شيئان . أحدهما : إرهاب المدّعى عليه لتوجّه الريبة . والثاني : سؤاله عن سبب دخول يده وحدوث ملكه . وأما إن كانت غلبة الظنّ في جنبة المدّعى عليه بانعكاس ما قدّمناه وانتقاله من جانب المدّعى إلى المدّعى عليه ، فمذهب مالك - رحمه اللَّه - أنه إن كانت دعواه في مثل هذه الحال لعين قائمة ، لم يسمعها إلا بعد ذكر السبب الموجب لها ، وإن كانت في مال في الذمة ، لم يسمعها إلا أن تقوم البيّنة للمدّعى أنه كان بينه وبين المدّعى عليه معاملة . والشافعىّ وأبو حنيفة - رحمهما اللَّه - لا يريان ذلك [ 2 ] . ونظر المظالم
--> [ 1 ] التكملة من الأحكام السلطانية . [ 2 ] في الأحكام السلطانية « والشافعىّ وأبو حنيفة رضى اللَّه عنهما لا يريان ذلك في حكم القضاة ، فاما نظر الظالم الموضوع على الأصلح فعلى الجائز دون الواجب فيسوغ فيه مثل . . . » .